فخر الدين الرازي
121
تفسير الرازي
ناصية وإنما أخذت ليصير صاحبها مأخوذاً ، وفرق بين مقصود الكلام وبين الأخذ ، وقوله تعالى : * ( فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) * فيه وجهان أحدهما : يجمع بين ناصيتهم وقدمهم ، وعلى هذا ففيه قولان : أحدهما : أن ذلك قد يكون من جانب ظهورهم فيربط بنواصيهم أقدامهم من جانب الظهر فتخرج صدورهم نتأ والثاني : أن ذلك من جانب وجوههم فتكون رؤوسهم على ركبهم ونواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة الوجه الثاني : أنهم يسحبون سحباً فبعضهم يؤخذ بناصيته وبعضهم يجر برجله ، والأول أصح وأوضح . ثم قال تعالى : * ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ) * . والمشهور أن ههنا إضماراً تقديره يقال لهم : هذه جهنم ، وقد تقدم مثله في مواضع . ويحتمل أن يقال : معناه هذه صفة جهنم فأقيم المضاف إليه مقام المضاف ويكون ما تقدم هو المشار إليه ، والأقوى أن يقال : الكلام عند النواصي والأقدام قد تم ، وقوله : * ( هذه جهنم ) * لقربها كما يقال هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه ، فكأنه قال جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم ، ويلائمه قوله : * ( يكذب ) * لأن الكلام لو كان بإضمار يقال ، لقال تعالى لهم : هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون لأن في هذا الوقت لا يبقى مكذب ، وعلى هذا التقدير يضمر فيه : كان يكذب . ثم قال تعالى : * ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ ) * . هو كقوله تعالى : * ( وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ) * ( الكهف : 29 ) وكقوله تعالى : * ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ) * ( السجدة : 20 ) لأنهم يخرجون فيستغيثون فيظهر لهم من بعد شيء مائع هو صديدهم المغلي فيظنونه ماء ، فيردون عليه كما يرد العطشان فيقعون ويشربون منه شرب الهيم ، فيجدونه أشد حراً فيقطع أمعاءهم ، كما أن العطشان إذا وصل إلى ماء مالح لا يبحث عنه ولا يذوقه ، وإنما يشربه عباً فيحرق فؤاده ولا يسكن عطشه . وقوله : * ( حميم ) * إشارة إلى ما فعل فيه من الإغلاء ، وقوله تعالى : * ( آن ) * إشارة إلى ما قبله ، وهو كما يقال : قطعته فانقطع فكأنه حمته النار فصار في غاية السخونة وآن الماء إذا انتهى في الحر نهاية . ثم قال تعالى : * ( فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . وفيه بحث وهو أن هذه الأمور ليست من الآلاء فكيف قال : * ( فبأي آلاء ) * ؟ نقول : الجواب من وجهين أحدهما : ما ذكرناه وثانيهما : أن المراد : * ( فبأي آلاء ربكما ) * مما أشرنا إليه في أول السورة . * ( تكذبان ) * فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب ، وكذلك نقول : في قوله : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * ( الرحمن : 46 ) هي الجنان ثم إن تلك الآلاء لا ترى ، وهذا ظاهر لأن الجنان غير مرئية ، وإنما حصل الإيمان بها بالغيب ، فلا